من الأكواخ إلى الأرصفة.. كيف حوّلت أزمة السكن أطفال فرنسا إلى فقراء بلا مأوى؟

من الأكواخ إلى الأرصفة.. كيف حوّلت أزمة السكن أطفال فرنسا إلى فقراء بلا مأوى؟
أزمة التشرد في فرنسا

حين بدأ العام الدراسي في فرنسا هذا الصيف، أفادت منظمة اليونيسف في فرنسا وشركاؤها أن 2,159 طفلاً وجدوا أنفسهم بلا مأوى خلال أغسطس الجاري، أي إنهم ناموا على الشوارع أو في مساحات طارئة رغم محاولات عائلاتهم التواصل مع خط الطوارئ للمأوى، وهذا الرقم يمثل ارتفاعاً قدره 6 في المئة مقارنة بالعام الماضي، و30 في المئة منذ 2022، ويضع تساؤلات حادة حول قدرة النظام الاجتماعي الفرنسي على حماية حقوق الأطفال الأساسية. 

وتظهر بيانات اليونيسف والاتحادات الاجتماعية أن 2,159 حالة بلا مأوى وُزّع بينها 503 أطفال دون سن الثالثة، وأن هناك تصاعداً سنوياً في حالات رفض الأسرة أو عدم توافر سرير في مأوى الطوارئ عند الاتصال بخط الطوارئ 115.

وعلى المستوى الإقليمي، تقديرات جمعيات أوروبا للمشردين تشير إلى أن ما يقارب 400,000 قاصر يعيشون في الشوارع أو في مساكن طارئة داخل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، ما يؤكد أن المشكلة ليست فرنسية فقط بل جزء من أزمة سكنية واسعة في أوروبا. 

أسباب الأزمة الأساسية

تتقاطع أسباب تزايد عدد الأطفال المشردين في فرنسا بين عوامل هيكلية وفورية، أولاً: ندرة ورقمنة السكن الاجتماعي وارتفاع الإيجارات أدى إلى طرد أسر هشّة من السوق السكني، ثانياً: اكتظاظ مراكز الإيواء الطارئة وخفض الطاقة الاستيعابية في بعض المناطق يجعل الاستجابة الطارئة غير كافية خلال فترات تزايد الطلب، ثالثاً: تصاعد عوامل الفقر وعدم الاستقرار المادي لدى أسر مهاجرة أو في مخاض إجراءات لجوء معطلة يرفع من احتمال تعرض الأطفال للتشرد، وأخيراً، إجراءات حيوية مثل تقليص الميزانيات الموجهة لبرامج الوقاية من التشرد أو التأخير في حل ملفات الإسكان تضيف طبقات تأزم فورية. 

التأثيرات على الأطفال متعددة وعميقة، حيث تؤكد جمعيات مساندة أن الأطفال المشردين معرضون لتأخر أو انقطاع ملموسين في التعليم بسبب صعوبات التسجيل وتغيّر السكن المتكرر، كما يزداد خطر التدهور الصحي الجسدي والنفسي بسبب التعرض للعوامل المناخية وفقدان المسكن الآمن، كما تنعكس حالة انعدام السكن على قدرة الأسرة على العمل والاستقرار المالي، ما يدفع كثيرين إلى الاعتماد على قروض أو شبكة علاقات هشّة تزيد حلقة الالتباس والفقر، وتقارير ميدانية توضح أن أمثلة واقعية كثيرة تُظهر أمهات صغيرات لا يجدن مكاناً للنوم مع أطفالهن ويضطررن إلى اللجوء إلى ملاجئ مؤقتة أو إلى النوم في ساحات عامة.

نددت اليونيسف في فرنسا والاتحاد العام لمؤسسات التضامن ومنظمات المجتمع المدني بالحالة، وطالبت الحكومة بخطة طوارئ لزيادة الطاقة الاستيعابية للمأوى وضمان دخول الأطفال إلى المدارس فورياً وحماية حقوقهم الصحية والتعليمية، كما دعا الخبراء إلى إعادة تنشيط برامج الوقاية من التشرد وتمويل الجمعيات العاملة في الميدان لضمان حلول سريعة قبل دخول الشتاء. في خطابها الإعلامي، حذرت اليونيسف من أن الأرقام تعكس فشلاً متراكماً في سياسات السكن والحماية الاجتماعية. 

الإطار القانوني الدولي 

فرنسا طرف في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي تُلزم الدول بضمان مستوى معيشي كافٍ للأطفال بما في ذلك السكن والغذاء والتعليم، كما تُلزمها التزامات معيارية في مجال حقوق الإنسان والاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية التي تقر بأن حق السكن جزء من الحق بمعيشة لائقة، بناء على ذلك، فإن ظاهرة نوم آلاف الأطفال في الشوارع تضع التزامات قانونية وسياسية على الدولة الفرنسية لضمان حلول فعّالة وفورية وقابلة للقياس.

ولم تكن ظاهرة تشرد الأطفال جديدة كلياً في فرنسا فقد سجّلت تقارير دولية وأوروبية ارتفاعات منذ سنوات، لكنها تفاقمت بعد موجات ارتفاع الإيجارات والضغط على أسواق العمل إثر الأزمة الصحية العالمية وارتفاع تكاليف المعيشة. أظهرت تقارير سابقة بين 2020 و2024 ارتفاعاً ملحوظاً في عدد القُصّر الذين يطلبون مأوى طارئاً أو يعيشون في مساكن غير مناسبة، وهو تطور ربطه مراقبون بتقليص موارد وقواعد تشغيل شبكات المساعدة الطارئة. 

تواجه السلطات ومنظمات الدعم عدة تحديات في الاستجابة؛ فنظام حجز الأماكن عبر خطوط الطوارئ ينهار أحياناً بسبب الضغط، ونقص تمويل برامج الإسكان المؤقت، وتعقيدات إدارية في تسجيل الأطفال طبقاً لمتطلبات المدارس والمؤسسات الصحية، فضلاً عن غياب مقاربات متسقة بين البلديات والدولة المركزية لمعالجة الظاهرة بشكل استباقي. كما تُضعف قيود الميزانية والتوزيع اللامتكافئ للموارد إمكانات الجمعيات في الاستجابة. 

مؤشرات لسياسة مستدامة

تدعو المؤسسات الدولية والمحلية إلى حزمة إجراءات عاجلة ومتوسطة الأمد لعلاج أزمة التشرد منها توسيع طاقة الملاجئ الطارئة قبل دخول فصل الشتاء، تخصيص مظلة مالية وطنية لدعم الأسر الأكثر هشاشة، تسريع إجراءات تسجيل الأطفال في المدارس وربط المساعدات النقدية ببرامج الدعم التعليمي، وبرامج لخلق سكن اجتماعي ميسّر على مستوى البلديات. وعلى المدى المتوسط، يوصي الخبراء بإصلاح سوق السكن عبر دعم الإسكان الاجتماعي وزيادة العرض الميسور، وتطوير أنظمة إنذار مبكر للحالات التي قد تنزلق فيها الأسر إلى التشرد. 

أرقام هذا الصيف في فرنسا تؤكد أن أزمة السكن تحولت إلى أزمة أطفال، ونوم أكثر من ألفي طفل في الشوارع ليس مؤشراً مؤقتاً بل نتيجة تراكم سياسات اقتصادية واجتماعية ومحدودية في شبكات الحماية، وتتطلب حماية الطفولة في بلد يزخر بالموارد قراراً سياسياً واضحاً وتخصيص موارد عاجلة وطويلة الأجل، فكل يوم ينام فيه طفل بلا مأوى يعقّد مهمة إدماجه مستقبلاً ويفتح جراحاً اجتماعية ستدوم سنوات. 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية